Easter Message 2019 – Arabic

بول-مروان تابت
الى أبناء الكنيسة المارونية في كندا
عيد الفصح المجيد 2019

حضرات المونسينيوريين والكهنة والرهبان والراهبات،
الأشخاص المكرّسين والملتزمين في حياة الكنيسة والمجتمع،
الأهل الكرام والأولاد والشبان والشابات،
الجماعات الرعائية،
إخوتي وأخواتي الأعزاء،

نفرح اليوم ونهلّل مع المؤمنين في العالم كله: “المسيح قام حقاً قام”!
صارت قيامة المسيح لنا، بعد الآلام والموت، أساس إيمان وسبب فرح. فالقيامة هي في إيماننا الجوهر والمحور.

بين صباح الاحد مع النسوة عند القبر (لوقا 24، 1) ومساء اليوم نفسه مع التلميذين على طريق قرية عماوس (لوقا 24، 31) لقاء بالمسيح القائم من بين الأموات. إنّها تتمّةٌ وبداية، وقصّة تحوّل وعبور.

“إبق معنا يا رب، فالمساء يقترب” (لوقا 24، 29).

هذه كانت دعوة التلميذين الملحّة التي وجّهاها الى ” الغريب” الذي انضمّ اليهما طوال الطريق الى عماوس، مساء يوم القيامة. وفي “عجقة” الأفكار الحزينة، لم يفهما أن المسافر معهما هو يسوع، معلّمهما، القائم من الموت. وقد استطاع نورُ الكلمة أن يليّن قساوتهما، فانفتحت أعينهما و”عرفاه” (لوقا 24، 31) إذ كان يفسّر لهما الكتب، وكان “قلبهما متّقدًا في داخلهما” (لوقا 24، 32). ففي ظلام المساء كان رفيق الطريق بمثابة نور أحيا فيهما الرجاء والرغبة في النور الكامل: “إبق معنا”.

أتوقف معكم في هذه المناسبة عند هذه اللوحة الانجيلية. إنها تساعدنا على فهم سر “الإفخارستيا” الذي يعني “سرّ الشكران” وعيشه في رحلتنا الايمانية وعلاقتنا الحيّة والمتجدّدة بالرب. فـ”المسافر الإلهي”، أي المسيح، يرافقنا في طرق حياتنا المليئة بالفرح والحزن، بالثبات والقلق، بالرجاء واليأس. وعندما يكتمل اللقاء، في ضوء الكلمة والنورُ المنبثق من “خبز الحياة”، يحقق المسيح وعدَه بأن يبقى معنا “طول الأيام إلى منتهى الدهر” (متى 28، 20).

إن “كسر الخبز”، كما كانت تدعوه الكنيسة الأولى، هو منذ البدء “نبض” حياة الكنيسة. يؤوِّن (يضع في الزمان والمكان) المسيح من خلاله سرَّ موته وقيامته. فيه نقبله، هو “الخبز النازل من السماء” (يو 6، 51)، وفيه نُعطى عربون الحياة الأبدية، ونتذوّق مسبقاً الوليمة المرجوّة في أورشليم السماوية.

من هنا أعرض بعض التوجيهات، المستوحاة من أفكار القديس يوحنا بولس الثاني، لمعاودة اكتشاف الاحتفال الافخارستي، قلب يوم الاحد، يوم الربّ .

1- الإفخارستيا، سرّ حضور
في كل احتفال بالقداس، يتمّ، من جهة، الاحتفالُ بمائدة كلمة الله، ومن جهة أخرى بمائدة الخبز؛ أي السر الإفخارستيّ. سماع كلمة الله هيّأ تلميذي عماوس لمعرفة المسيح على المائدة عندما كسر الخبز معهما فـ”عرفاه عند كسر الخبز” (لوقا 31،24). هذه هي العلامات الظاهرة التي توضح سرّ حضور المسيح أمام المؤمن. نذكر هنا بُعدين مهمّين:
• البُعد الأكثر وضوحًا هو بُعد الوليمة. فقد وُلدت الإفخارستيا يوم خميس الأسرار في إطار الاحتفال بوليمة. لذا فهي تحمل معنى المشاركة والوجود معًا: “خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم. لان هذا هو دمي…” (متى 26، 26 – 27). تعبّرهذه الكلمات عن رغبة الله في أن يبقى معنا وفي أن نُنمي نحن هذه العلاقة بين بعضنا البعض.
• البُعد الآخر هو “الذبيحة”. فالمسيح، في سرّ الافخارستيا، يعيد الذبيحة التي تمّت على الجلجلة. فهو المسيح القائم في السر، لكنه يحمل آثار الآلام. وهذا ما يعنيه الهتاف: “إننا نعلن موتك ونحتقل بقيامتك إلى أن تأتي يا رب”.

تكتمل هذه الأبعاد المذكورة في بُعد أساسي يشكّل تحدّيًا قويًا لإيماننا، وهو بُعد “الوجود الحقيقي” ليسوع المسيح، حضور حيّ ومحيي.

2- الإفخارستيا، تثبيت الشركة
“أثبتوا فيّ كما أنا فيكم” (يو 4،15). دعا تلميذا عماوس المسيح ان يبقى “معهما”. لكنّ الربّ أراد أن يبقى “فيهما” بواسطة سرّ الإفخارستيا. تناول االقربان المقدّس هو الدخول في شركة مع الربّ واتّحادٍ لا يمكن فهمه وعيشه جيّدًا الا في إطار الشركة الكنسيّة.
يبني المسيح الكنيسة، من خلال الإفخارستيا، كشركة، على مثال شركته الأسمى مع الآب، الذي عبّرعنها في الصلاة الكهنوتية: “فكما أنّك أنت، أيها الآب، فيّ وأنا فيك، فليكونوا، هم أيضًا، واحدًا فينا، حتى يؤمن العالم أنك أنت أرسلتني” (يو 17، 21).
3- الإفخارستيا، مشروع “رسالة”
بعد أن عرف تلميذا عماوس الربّ ” قاما على الفور” (لو 24، 33)، [ ورجعا الى أورشليم] كي يبلّغا ما رأيا وسمعا. عندما نختبر المسيح القائم من بين الاموات اختباراً حقيقيّاً، ونتغذى من جسده ودمه، لا يمكن أن نحتفظ بهذا الفرح لأنفسنا فقط. العيش مع المسيح يحمل المؤمن كما يحمل الكنيسة على واجب الشهادة والتبشير. كما يقول بولس الرسول: “كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون يموت الرب إلى أن يأتي” (1 قور11، 26). هذا هو أيضًا معنى جملة الإرسال في نهاية القداس الذي يحثّ المسيحي على التزام نشر الإنجيل وعلى انعاش المجتمع مسيحيًّا.
أيها الأحباء،
إن يسوع، في القربان، ينتظركم الى جانبه كي يفيض في قلوبكم نعمة صداقته التي وحدها تعطي لحياتكم معنى كاملاً.

أدعوكم في هذا “اليوم الذي صنعه الربّ، يوم القيامة المجيدة، أن تعاودوا اكتشاف عطيّة الإفخارستيا كنور وقوة لحياتكم اليومية في العالم، من خلال ممارسة عملكم اليومي في مختلف الظروف التي توجَدون فيها.

أضع أمامكم مثال القديسين، فقد وجدوا في هذا السرّ العظيم غذاءً في طريقهم إلى الكمال. ولتساعدنا مريم العذراء التي جسّدت في حياتها كلها “منطق” الإفخارستيا.

تتمّ قيامتنا كل صباح، كل مساء وكل يوم. نحن مدعوون إلى طريق القيامة لإنجاز عمل الرب، لجلب الحب إلى عائلاتنا ومجتمعاتنا والعالم.

المسيح قام… حقًّا قام!

+بول-مروان مطران كندا للموارنة